خواجه نصير الدين الطوسي
6
تجريد المنطق
ولكن الطوسي لم يجد لدى الإسماعيلية ما كان يبغي من الأمن والطمأنينة ، فقد وجد نفسه بين قوم يحملونه على أن يذهب في الفكر مذهبهم ، ولم يكن يقدر على مواجهتهم بالحق الذي يراه ، وهكذا أحس بأنه استجار من الرمضاء بالنار ، وأدرك أن شرا قريبا يوشك أن يقع ببلاد المسلمين ، وأولو الأمر عنه لاهون ، والأمة التي أسلمت قيادها للخليفة ووزرائه لا تدري من أمرها شيئا ، وهذا التراث الإسلامي العظيم الذي يتمثل في عشرات الألوف من الكتب والرسائل في شتى العلوم والآداب ، والذي يرعاه في تلكم الأيام عشرات من العلماء ، كل هذا أصبح ولا حام له ولا راع ممن بيدهم الأمر في العالم الإسلامي . وتقدّمت جحافل المغول في القرن السابع الهجري مكتسحة العالم الإسلامي الشرقي قطرا بعد قطر ، وكانت شهرة الطوسي ، في علم النجوم والرصد ، قد بلغت مسامع هولاكو ، فأراد أن يكون هذا العالم في حاشيته ، ليستعين بخبرته في النجوم ، وليعاونه على ما يريد من الغزو . وكان الطوسي يعرف ما سيحل بالشرق الإسلامي من غارات المغول ، وكان يعلم أن البناء الذي أقامه العباسيون قد دبّ فيه الفناء وأن أساسه قد تقوض وألّا سبيل إلى بقائه ، وأدرك أنه سيدفع كثيرا من الشر والبلاء عن المسلمين لو بقي بجانب قائد المغول الذي لا يعرف الشفقة ، وأن بقاءه وتعاونه معه خير من فراره منه وتركه وحده يفني البشر ويقضي على الإسلام . ويرى عباس إقبال في تاريخه أن الطوسي ، علاوة على مقامه العلمي ، قد أدى للحضارة الإسلامية عملين عظيمين : أولهما أنه بذل جهدا كبيرا للمحافظة على الكتب النفيسة والآثار حتى لا يهلكها المغول ، مما أتاح له أن يجمع مكتبة تحوي أربعمائة ألف مجلد . والثاني أنه استخدم نفوذه عند هولاكو لينقذ من الهلاك كثيرين من أهل العلم والأدب . ويعد الطوسي أعلم أهل زمانه ، وهو الذي أعاد للحضارة الإسلامية بهاءها وقوتها في أحلك الظروف السياسية وأقساها على القسم الشرقي من